اسماعيل بن محمد القونوي

469

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

إلى الخطاب لنكتة معهودة ولمزيد التوبيخ والتشنيع كأنه استحقرهم ووبخهم هذا إن خص الخطاب بالحاضرين وأما الخطابات المذكورة بقوله لا تَعْبُدُونَ [ البقرة : 83 ] في حيز القول فهي من المحكي لا من الحكاية فلا يكون التفسيران في كلام واحد كذا قالوا لكن هذا ليس على إطلاقه لأن قوله لا تَعْبُدُونَ [ البقرة : 83 ] يحتمل البدلية وأن يكون جوابا للقسم كما مر فلا يكون في حيز القول فالظاهر حينئذ لا التفات هنا وإنما الالتفات في قوله لا تَعْبُدُونَ [ البقرة : 83 ] فيمن قرأ بالتاء نعم على قراءة لا يعبدون فيكون الالتفات هنا . قوله : ( ولعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن قبلهم على التغليب أي أعرضتم عن الميثاق ) وهذا الكلام يشعر بأنه حمل المص الخطاب أولا على أسلاف اليهود خاصة وهو الظاهر من كلامه أو على أخلاف اليهود خاصة ثم جوز أن يكون الخطاب شاملا للموجودين وهم أخلافهم ومن قبلهم على التغليب لكنه لم يقطع لكون الكلام مسوقا لتعداد جناية آبائهم فقال ولعل الخ إشارة إلى ضعفه فحينئذ لا التفات فيه بل فيه التغليب « 1 » وهو الظاهر من كلامه واختاره أكثر المحشيين من المتأخرين وقال بعضهم إن المخاطبين لما دخلوا في بني إسرائيل كانوا مذكورين بطريق الغيبة فذكرهم بعد ذلك بطريق الخطاب يكون التفاتا سواء اعتبر التغليب أو لا انتهى وهذا لا يلائم كلام المص إذ الغيبة المدلول عليها بلفظ بني إسرائيل إلى الخطاب ونكتة الالتفات هنا التقريع والتوبيخ استحضرهم فوبخهم بتوليهم واعراضهم عن التوحيد وهذا كما إذا أخذت تعد جنايات شخص عند مخاطبك والشخص حاضر تقول إنه رجل فعل كذا وكذا إلى أن اشتد غضبك له فتوجه الخطاب نحو ذلك الشخص وتقول أنت يا جاني فاعل ذلك كله تقريعا له وتوبيخا على جناياته تلك مشافها . قوله : ولعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ومن قبلهم على التغليب قال بعض الأفاضل الأوفق أن يقال إن أصل الكلام ثم تَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ لقوله وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ [ البقرة : 83 ] أي اذكر وقت أخذنا بني إسرائيل وتوليهم واعراضهم عن ذلك فعدل إلى خطاب الموجودين منهم تغليبا واشعارا بأن التولي الذي حصل منهم في عهد النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ليس ببدع منهم لأن دأبهم ودأب أسلافهم فلا يكون التفاتا أقول وجه عدم كونه على هذا التقدير التفاتا لأن الذين تولوا عن التوحيد في زمن النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم غير هؤلاء الذين أخذ اللّه ميثاقهم فيما مضى من الزمان وشرط الالتفات أن يكون التعبير بطريق من الطرق الثلاثة غير التعبير بطريق آخر من تلك الطرق ففي لفظ لعل في قول المصنف إشارة إلى اختيار إن توليتم ليس من باب الالتفات وقال الفاضل أكمل الدين رحمه اللّه وفيه بحث وهو أن ميثاق أسلاف من في عهد النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم إن كان ميثاقا عليهم جاز أن يوصفوا بالتولي والاعراض بعد دخولهم في بني إسرائيل وهم غيب فالخطاب لهم التفات وإن لم يكن لم يجز أن يوصفوا بذلك وإن كان المراد أسلافهم وخوطبوا فهو أيضا التفات .

--> ( 1 ) والمراد بالتغليب أنه ليس ببعيد منكم لأنه ديدن آبائكم .